القرطبي
9
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في " سكرت " ظاهران ، التشديد للتكثير والتخفيف يؤدي عن معناه . والمعروف أن " سكر " لا يتعدى . قال أبو علي : يجوز أن يكون سمع متعديا في البصر . ومن قرأ " سكرت " فإنه شبه ما عرض لأبصارهم بحال السكران ، كأنها جرت مجرى السكران لعدم تحصيله . وقد قيل : إنه بالتخفيف [ من ] سكر الشراب ، وبالتشديد أخذت ، ذكرهما الماوردي . وقال النحاس : والمعروف من قراءة مجاهد والحسن " سكرت " بالتخفيف . قال الحسن : أي سحرت . وحكى أبو عبيد عن أبي عبيدة أنه يقال : سكرت أبصارهم إذا غشيها سمادير ( 1 ) حتى لا يبصروا . وقال الفراء : من قرأ " سكرت " أخذه من سكور الريح ( 2 ) . قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة . والأصل فيها ما قال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى ، قال : هو من السكر في الشراب . وهذا قول حسن ، أي غشيهم ما غطى أبصارهم كما غشي السكران ما غطى عقله . وسكور الريح سكونها وفتورها ، فهو يرجع إلى معنى التحيير . قوله تعالى : ولقد جعلنا في السماء بروجا وزينها للناظرين ( 16 ) لما ذكر كفر الكافرين وعجز أصنامهم ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته . والبروج : القصور والمنازل . قال ابن عباس : أي جعلنا في السماء بروج الشمس والقمر ، أي منازلهما . وأسماء هذه البروج : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت . والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم ، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب . وقالوا : الفلك اثنا عشر برجا ، كل برج ميلان ونصف . وأصل البروج الظهور ، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها . وقد تقدم هذا المعنى في النساء ( 3 ) . وقال الحسن وقتادة : البروج النجوم ، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها . وقيل : الكواكب العظام ، قال أبو صالح ،
--> ( 1 ) السمادير : ضعف البصر . وقيل : هو الذي يتراءى للانسان من ضعف بصره عند السكر من الشراب . ( 2 ) سكونها بعد الهبوب . ( 3 ) راجع ج 5 ص 284 .